أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
470
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
من الجلوس معه ؟ فقال : إن حالي مع اللّه تعالى الذل ، فكرهت أن أفارق حالي . وقال السهروردي : رأيت شيخنا ضياء الدين أبا النجيب وكنت معه في سفره إلى الشام وقد بعث له بعض أبناء الدنيا طعاما على رؤوس الأسارى من الإفرنج وهم في قيودهم ، فمدت السفرة وقال للخادم : احضر الأسارى مع الفقراء ، فجاء بهم وأقعدهم على السفرة صفّا واحدا ، وقام الشيخ من سجادته ومشي إليهم وقعد معهم كالواحد منهم وأكل وأكلوا ، وظهر لنا على وجهه ما نزل باطنه من التواضع للّه والانكسار في نفسه وانسلاخه عن التكبر عليهم . وكان الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن سعيد من الفقهاء والعلماء العاملين ، بينما هو يوما يمشي في يوم شات كثير الطين ، فاستقبله كلب يمشي على الطريق التي كان عليها قال من رآه : رأيت الشيخ قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقا ووقف ينتظره ليجوز ، فلما قرب منه الكلب ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل وترك الكلب يمشي فوقه ، قال : فلما جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدته وعليه كآبة ، فقلت له : يا سيدي رأيتك الآن صنعت شيئا استغربته ، كيف رميت بنفسك في الطين ، وتركت الكلب يمشي في الموضع النقي ؟ فقال لي : بعد أن عملت له طريقا تفكرت وقلت : ترفعت على الكلب وجعلت نفسي أرفع منه ، بل هو واللّه أرفع مني وأولى بالكرامة ، لأني عصيت اللّه تعالى وأنا كثير الذنوب والكلب لا ذنب له ، فنزلت له عن موضعي وتركته يمشي عليه ، وأنا الآن أخاف من اللّه ألا يعفو عني ، لأني رفعت نفسي على من هو خير مني انتهى ، نقله الشيخ ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه . ثم إن التواضع منه ما يكون مجاهدة وتصنعا ، وهو مجاهدة أهل اليمين من السائرين ، ومنه ما يكون اختياريّا حقيقيّا ، وهو تواضع العارفين ، لأنه ناشئ عن شهود عظمة المعبود ، فلا يتخلف إلا في وقت الغفلة وهو قليل ، وهو الذي أبانه بقوله : 240 - التواضع الحقيقيّ هو ما كان ناشئا عن شهود عظمته وتجلّي صفته . قلت : التواضع الحقيقي : هو تواضع العارفين ، لأنه ناشئ عن شهود عظمة الحق وتجلي ذاته